spacer

آخر المستجدّات

موقع التّدريس عن بعد

موقع لتكوين الأساتذة في استغلال تكنولوجيّات المعلومات و الاتّصال 

إقرأ المزيد
 
Advertisement
spacer
spacer

التّسجيل بالشّبكة

لمشاهدة كلّ محتويات الشّبكة يجب الأشتراك
و الدّخول كعضو
.

 

 

 

 
المنتديات  


::كتابة موضوع جديد::
المنمنمة
Date: 2007/09/20 20:53 By: الادارة Status: الزائر  
 
تزخر الكثير من المخطوطات الإسلامية ودواوين الشعر وكتب السير برسومات للإنسان والطبيعة والحيوان والطير،ويعرف هذا الفن بالمنمنمات الإسلامية.

المنمنمة عبارة عن صورة تشكيلية مصغرة النسب و الحجم بما يتناسب مع حجم صفحة الكتاب الموجودة فيه , و هي صورة ايضاحية لمضمون المخطوطة أو الكتاب مهمتها تمثيل الفكرة بشكل مصغر و بالألوان.

إن فن المنمنمات يخاطب الروح بعمق أبعاده كما يخاطب العين بجمال ألوانه.

لقد حفظ لنا هذا الفن صور الحياة و البيئة و العادات و الطقوس و التقاليد والاحداث التاريخية و طبيعة المناخ و العمارة و الزي و الفنون .
وهو يرتبط بفن الزخرفة الهندسية بشكل وثيق.


مـنـمـنـمـات
قراءات في الفنون الإسلامية
فن المنمنمات بين التراث والحداث






لقد راق لبعض باحثي الفن، ولاسيما المستشرقين منهم، أن ينسبوا فن المنمنمات الى جذور هيلينية (يونانية) وبيزنطية ،وحفز ذلك رهط من الجماليين والباحثين العرب، ومنهم د. زكى محمد حسن و د. ثروت عكاشه و جبرا إبراهيم جبرا وبلند الحيدري ،وعفيف بهنسي وزينات بيطار أن يحثوا البحث فيه ويسبروا غوره ، و أرجعه جلهم الى الفنون الإسلامية ، بينما ذهب آخرون الى أنه إسترسال في الزمان يشرأب الى حاضنته الأولى من فنون أهل الرافدين.

وشهد ت المنمنمات مثل ديدن كل الفنون مدا للتطور خلال الحقب العراقية، حتى وطأت الذروة في رسومات الداعية (ماني البابلي) (مولود في بابل 216م) .وفي هذا السياق نعتقد بأن مصدر كلمة "منمنمة" العربي كان مشتقا من أسم (ماني) نفسه بما عرف عنه من إرفاقه للرسوم في ثنايا النصوص التي تضمنها كتابه الروحي الذي سمي (ماني نامه) ويعني بالفارسة (كتاب ماني) الذي دغم وأختزل ووطأ الآرامية لغة ماني وأهل العراق والشام قبل الفتح الإسلامي ليصيح بصيغة (منمنمة) التي وردت الى العربية من ضمن ما ورثته من الآرامية. ولهذا السبب لايتوفر للكلمة سند ومصدر من صلب اللغة، ولا يشيع للكلمة معنى دقيق ، ولكن معناها في اللغة و اللهجات الدارجة يعني الشئ الدقيق المزوق ، ذو الملامح المصغرة ،والذي أخذت عنه الترجمة اللاتينية (Miniature).

وبالرغم من أن دارسي الفن الاسلامى ذهبوا الى أن المسلمين كانوا قد عرفوا الرسم على الورق منذ القرن الثانى الهجرى فان ما وصلنا من تلك الرسوم لايعود بتاريخها لاكثر من اوائل العصر العباسى وربما اواخر العصر الاموى. وورد عنها مؤلف مهم للمقريزي نفتقده اليوم عنوانه : ( ضوء النبراس وأنيس الجلاس في أخبار المزوقين من الناس)، وخلاف ذلك لم تيردنا إلا إشارات عنها مبثوثة هنا وهناك.

والمنمنمات نوع من التعبيرية في الرسم وأقترنت بالفنون التصويرية التي طرقت عدة مواضيع أدبية وعلمية ،يعود الفضل فيها الى عكس صورة المجتمعات الإسلامية ،بما يوحي بالكثير من القراءات ومن ضمنها طرز العمارة والمعالجات الفنية السائدة. وتعود أقدم الأمثلة المرسومة على الورق التي بين أيدينا اليوم الى أواخر الفترة العباسية والفاطمية ،في القرن الثاني عشر الميلادي .وقد داب المصورون في العادة الى طرق مواضع دنيوية لادينية لكن هذا لا يمنع إظهار مواضيع ومناسبات دينية كالمعراج وقصص الانبياء والصحابة والاولياء مثلا.

و فن المنمنمات تطور من جراء التسامح الديني ،حسب مايعتقد الكثيرون ،او حتى إقتفاءا ببعض الشروح الفقهية لبعض المذاهب الإسلامية، بما سمح لحالة التجسيد والتشبيه هذه والتي أظهرها الفنانون في الكتب كأداة مساعدة ووسيلة إيضاح لفهم النصوص ، كما هي السير والمقامات ولم يهتم الرسامون بذكر أسمائهم وأكتفوا بتكريس تنوفّهم ودقة أدائهم ورجاءهم بالنتيجة في الأجر الوارد من الله على فعلهم ،كما هو ديدن المسلمون إبان تلك الازمنة في جل المجالات الإبداعية ولاسيما العمارة، ناهيك في ذلك عن طبيعة المنحى الجماعي للفنون الذي ساد خطابه خلال تلك الحقب ،وربما يكون الإنشطار بين الجماعي والذاتي قد حدث متأخرا في فنون الشعوب. وقد اهتمت الدراسات المعاصرة بمعرفة فنون المنمنمات ولاسيما في منابعها الأولى وظهر من بواكيرها أسم يحيى الواسطي و هو يحيى بن محمود بن يحيى بن أبي الحسن كرويها الواسطي ،أما المتأخرة منها فقد دأبت على تدوين أسماء الفنانين مثل بهزاد أو عبدالصمد أو سيد علي .

وقد ظهر أسم الواسطي بدلالات الريادة خلال نمنمته لمقامات الهمداني. وتعكس تلك النتاجات صورة لأيام الذروة الحضارية، كان قد صورها من داخل الحياة وحبكتها ،وليس كما ألفنا بعد قرون في رسومات المستشرقين التي صورت من خارج روح الحياة الإسلامية.لقد تعامل الو اسطي في تصوير الحياة بحدس فطري بانتظار القادم-المغولي- المجهول الذي أسقط بغداد بالقاضية. و نقل لنا صور الحياة بأمانة قبل إضمحلالها وزوالها.لقد أرخ للفراغ منها يوم 3 آذار(مارس) 1237 م34 هـ، على مجلد يتألف من 167 صفحة بمقاس 37×28 سم ،هو اليوم في متحف اللوفر في باريس. ويعتبر اسم يحيى الو اسطي استثناء في الإمضاء على لوحاته والذي لم نلتقي ما يماثله في ذلك من مدرسة بغداد في الرسم إلا ما ندر .

وفي البحث عن الظاهرة الإلهامية لفن المنمنمات الذي نعتقد ممارسته كتفريغ فني جبل عليه البشر في كل الأزمنة ثم تصاعد لاحقا في ربط العقائد الروحانية بالفنون. وقد عاصرت رسموالواسطي أغراض فنية وإبداعية أُخرى منها مثلاً الحركة المسرحية التي تجسد آلام الشيعة مستوحاة من قصص استشهاد الإمام الحسين بن علي (ع) أو مسرح العرائس وخيال الظل (القرقوز) الذي عكس عقلية ونشاط المجتمعات الإسلامية، والقصص الأسطورية لآبي زيد الهلالي وعنترة وبعدذلك بيبرس المملوكي . وربما تكون تلك الرسوم خطاباً جديداً يعتمد على الرؤيا البصرية والتفسير المباشر للأشياء قافزا فوق اعتماد القراءة التي تحتاج الى حد أدنى من المعرفة وفك رموز الحروف ، وبذلك يكون خطاباً ثقافيا ذات مواصفات تبسيطية ومباشرة.وبغض النظر عن تمثيل المنمنمات للشخوص والحيوان والنبات وتضاريس الأرض ،فإن للعمارة نصيب مهم جدير بالقراءة ولا سيما كون عمائر المدن الباقية من تلك الحقبة قد درست وبذلك يمكن أن تسعفنا المنمنمات في رسم صورة تقريبية لطرز البناء والمعالجات المعمارية وأساليب التمثيل والتناسب المعماري وكذلك مواد البناء المستعملة ،وبعض طرق البناء .

وللون في المنمنمات دوران إحداهما تشكيلي والأخر جمالي وتعبيري بغض النظر عن الرمزية والوجدانية لعلاقات الألوان بعضها ببعض، والتي عادة ما تثير رد فعل فطري مرتبط بالتقاليد والأعراف الاجتماعية الراسخة لكل أقليم إسلامي،و التي تأخذ منحى فلسفي في العادة .وقد أستعمل اللون المفرد ذي الأهمية الحسية والتي تعدل علاقة المكان مع ما يحيطه من أجزاء بنائية . وتبدوا المنمنمة زاخرة بعدد كبير من الألوان بالرغم من محدوديتها وإقتصارها اللوني.

وللخطوط فلسفة معمارية مرتبطة بالزمان والمكان معاً فحركة النقطة من مكانها تشكل خطاً هو حقيقة زمانية-مكانية فهي مستقيمة في السقيفة لمباشرتها أو منحنية كما حال العقود والقباب وحنيناً راقصاً كما في خطوط الكتابة والمعالجات الزخرفية أو الشرفات أو نسقي كما في المقرنصات وربما يبدوا عنيفاً في الكوابيل وبعض العقود والطاقات (الستارية) والقباب السلجوقية المقرنصة أو التيمورية الباسقة أو المغولية الهندية الصرحية .

ومقياس الرسم في المنمنمات عادة ما يستخدم بلباقة و يعطي حالة انطباعية اكثر مما هي واقعية عن الأبعاد والمسافات ويهبنا صورة عن الأبعاد الثنائية اكثر مما للثلاثية من نصيب حيث إن ضمور مفهوم المنظور كان منطقياً ،ولم يكن قد سبق وطُرق ذلك الضرب من عملية الإظهار في الرسم في ذلك الزمان حتى حلول عصر النهضة في أوربا وظهرت في المنمنمات التركية المتأخرة ،ولكنه في مدرسة بغداد وما تبعها جاء تشبيهيا من خلال إشراك الواجهات والأجناب والأسقف في الصورة نفسها و تمثيل الأشكال فيها بالطريقة التي تشعر الرائي بوجود الأبعاد الثلاثة من خلال الخطوط ومساحاتها المجردة وكذلك الألوان ودرجاتها بحيث لا يخضع دائماً للمنظور الحسي المألوف بقدر ما هو يعتمد على الإحساس النسبي الموحي بالعمق وربما يكون أسلوب الفنان الإنطباعي الفرنسي (سيزان)(1839-1906) الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر مجدداً باستخدام درجات حرارة اللون المختلفة للإيحاء بالأبعاد والأستدارات .

ولا يستهان بالجانب الشكلي لاستخدام المستطيل والدائرة والمربع والمثلث التي تغني الرائي على تبين الرسم واستجلائه،ناهيك عن رمزية وروحانية كل من الأشكال ،ويستفيد في ذلك من التلاعب بألوان المسطحات وكذلك من النسب الجمالية والتي قررت الحلول الملموسة للجمال العلمي التحليلي والذي دعى اليوم (النسبة الذهبية)، والتي نجدها مجسدة في كثير من أجزاء المنمنمات عن قصد واع أو فطري يعكس تأثر الفنانين بناموس الطبيعة الجمالي . فلنأخذ مثلاً ارتفاع الفضاءات المعمارية متناسبة مع طول قاعدتها أو طول العقود(نسبها الداخلية) بالمقارنة مع نسب السقوف والشرفات وما يعلوها من غطاءات سناميه (نسبها الداخلية في القاعدة-البدن-التاج) وكذلك في نسبها مع العقود التي فوقها في تجسيد الجمال مع عدم إهمال التأثيرات (ألقبإسلامية) ونذكر بالخصوص المصرية والشامية و اليونانية منها بنسبها المعروفة 3:5 و5:8 و 8:13 …الخ .

وفي الجانب الاجتماعي للطراز المعماري فقد كرست جل المنمنمات من خلال أجواء المقامة الانتماء الطبقي لها ، فمثلا حاول الواسطي إظهارها في بهرج البناء أو زهده منعكساً على المعالجات الزخرفية وطراز الأثاث ومستلزمات المنزل ناهيك عن طبيعة مواد البناء المستعملة .ومن خلال وفرة المنمنمات وحذلقتها يمكن رصد الحالة الحضارية للدول والمجتمعات الإسلامية،حتى أصبح اضمحلالها دليلا ملموسا على اضمحلال الدفق الحضاري لها.

وقد توسعت دائرة تنفيذ المنمنمات في العالم الإسلامي وظهرت مدارس فنية مختلفة، بحسب الأذواق ،ومصادر التاثيرات والموروث المحلي. وعلى العموم فأننا نقع على عشرة مدارس إقليمية أساسية تعاملت مع المنمنمات وتركت بصماتها عليها،وهي:

1. المدرسة العراقية أو مدرسة بغداد (القرن السابع الهجري- الثالث عشر الميلادي) ، وحدث أن أستمرت حتى بعيد سقوط بغداد عام 1258. وهذه المدرسة رائدة و هي الأكثر دلالة في فنون المنمنمات ، ويمكن اعتبارها اصل كل المدارس التالية. وأكثر ما ورد منها كان في تمثيل قصص كليلة ودمنة وكتب الطب والنبات والطبيعة وكذلك المقامات كالحريري ومؤلفات موسوعية كعجائب المخلوقات للقزويني. و أقدمها الموجودة اليوم في القاهرة كتب في البيطرة 605هـ-1209م رسمه علي بن حسن هبة الله وورد اسم عبدالله بن الفصل في مخطوطة تعود للعام 1222م ، ووأهمها وأكثرها شهرة مقامات الحريري ليحيى الواسطي عام 1237م.

وقد استقرت تسميتها على مدرسة بغداد على اساس ما كان لبغداد من قيمه حضارية فى تلك المرحلة من التاريخ التى تمتد ما بين القرنين السادس والثامن للهجرة 1200-1400 م وما يزال بعض المؤرخين من المستشرقين ميالين الى تسميتها بمدرسة ما بين النهرين او المدرسة السلجوقية او المدرسة العباسية ولكل منهم يقيم الحجة على تسميته. ومنهم من يقول بأن اصول هذه المدرسة تعود الى إيران أو الصين. إلا ان ما يرد لديهم من حجج لايمكن إعتماده دليلا كافيا على ذلك ويرد الدكتور زكى محمد حسن فى كتابه "مدرسة بغداد فى التصوير الاسلامي "على "م. ساكسيان " بقوله:"ولكن ليس ثمة دليل على أن ايران عرفت فى العصر اسلوبا فنيا فى التصوير يخالف ما عرف فى بغداد فضلا عن أن المجموعة المحفوظة فى استانبول والتى احتج بها ساكسيان لايمكن نسبتها الى ما قبل العصر المغولى بل انه يؤكد فى ذات الدراسة على "ان تزويق المخطوطات بالتصاوير وتزيينها بالاصباغ البراقة فن حملت بغداد لواءه فى القرنين السادس والسابع الهجريين ولكنه ازدهر فى مراكز اخرى من ديار الاسلام فعرفته الموصل والكوفة وواسط وغيرها من بلاد الرافدين, كما امتد الى ايران ومصر والشام بل امتد تأثيره الى الرسوم الحائطية الاسلامية فى ، البرطل بقصر الحمراء فى غرناطة والى بعض المخطوطات العربية فى الاندلس ". ويمكن تلمس قدم تلك المدرسة من تشابه ملامح الرسومات الجدارية الأولى في قصرعمره وقصور سامراء ،وربما يعودالى أقدم من ذلك من جذور بابلية، درست ،أو سوف تكشف الأيام عنها لاحقا .

ومن ابرز خصائص مدرسة بغداد فى التصوير جنوح فنانيها الى عدم ايلاء اهتمام بالطبيعة على الشكل الذى برزت فيه فى الصور التى رسمها فنانوا الشرق الاقصى وعدم عنايتهم بالنزعة التشريحية او التقيد بالنسب الخارجية للاشكال المرسومة كالتى سعى الى تأكيدها الفنان الاغريقى. كما ان رسوم مدرسة بغداد ذات ميل الى التسطيح ولم يول فنانوها أهمية لغير بعدين من ابعاد الصورة هما طولها وعرضها اما العمق او المنظور العمقى فلم يبرز اهتمام به إلا ابان القرن التاسع الهجري وبشكل لايؤكد تحولا اليه. وقد اضمحلت تلك المدرسة ثم درست خلال عهود الترك في القرون الاربع الأخيرة،وانقطع ذكرها. وقد جرت محاولات لإحيائها في القرن العشرين على يد الفنان العراقي جواد سليم.

2. المدرسة المصرية وهي مدرسة شملت مصر والشام وتصاعد دفقها الإبداعي حتى أجهضت على يد الايوبيين بعد تبنيهم خطا فقهيا سلفيا متشددا في التعامل مع الفنون . وأنتقلت الحذلقة المصرية من المنمنمات الى الخزف ،الذي نقل لنا أمكانيات بعض معلميه ممن تركوا أسمائهم على الاطباق مثل مسلم وسعد وغيبي بن التبريزي وشرف الأبواني ، وكلها باقية تتوزع على متاحف العالم وتشهد لنا اليوم على مهارة فريدة. وربما كان مصيرهم مثل إخوانهم في بغداد بعد تردي أحوالهم بأن شدوا الرحال الى بلدان أخرى في الشرق و استقروا في مدن بدأ يلمع بريقها مثل تبريز وسمرقند وهيرات وبخارى في آسيا الوسطى ،ثم دلهي وأكرا وحيدرأباد في الهند والتي شهدت على ولادة مدارس جديدة واستمرار لفن المنمنمات .

3. المدرسة الإيرانية المغولية (القرن 8 هـ -14م) التي ورثت مدرسة بغداد واستفادت من هروب الفنانين أو هجرتهم بعد خراب بغداد،ولاسيما في العهود الجلائرية والإيلخانية والتيمورية والصفوية .ومن خصوصياتها أنها شملت بعض التأثيرات الواقعية في المناظر الواردة من الرسم الصيني،وأقدمها نسخة من منافع الحيوان لإبن بختيشوع موجودة في نيويورك،وكذلك جوامع التاريخ للوزير رشيد الدين أقدمها يعود لعام 707هـ-1307م موجودة في لندن ،والمتضمنة تاريخ السلاطين المغول والإيلخانيين في تبريز وسمرقند.

4. المدرسة التيمورية في آسيا الوسطى (القرن 9هـ-15م) ،وتطورت إبان فترة تيمورلنك في مدن تبريز وسمرقند وهيرات ،بعد أن حمل معه قسرا الرسامين من الشام والعراق عام 1403م. ومن أهم مصوريها أمير شاهي وغياث الدين ،وأكثر إنتاجهم كان في تصوير الشاهنامة وشعر الغزل والصوفي لمشاهير فارس كنظامي وسعدي والخيام.

5. المدرسة الإيرانية الصفوية وهي الأكثر شهرة لدى الأوربيين ،وأعتقدوها ردحا من الزمان أنها الأساس ،وأستمرت تمارس حتى يومنا هذا ،حيث أضفت عليها الحداثة تاثيرات نوعية لم تلغي نفحات رومانسية ميزتها عن المدارس الاخرى. حين تذكر أخبار الشاه عباس الثاني أنه أرسل فنانه الخاص محمد زمان في بعثة دراسية إلى إيطاليا، فدرس الفن على أيدي الإيطاليين والهولنديين وعاد ليغير في قواعد المنمنمات الإسلامية تغييرا طفيفا، وأهم بقاياها تصوير الشاهنامة للفردوسي.

6. المدرسة الأفغانية وتسمى كذلك مدرسة بهزاد وتنتسب الى كمال الدين بهزاد الذي لقب بمعجزة العصر الفنية في مدينة هيرات ،بما ادخله على رسم المنمنمات من جزيل التطوير ولاسيما في التعبير النفسي والإنطباعي والتقني ولاسيما في خلط الألوان.

7. مدرسة بخارى (القرن 10هـ-16م) وقد تأثرت بالمدرسة التيمورية وتأثرت من بهزاد وتلاميذه،وكثرت بها الموضوعات العاطفية والشاعرية.

8. المدرسة التركية،وقد أستمدت بداياتها من الشرق الإسلامي وسمت خلال عهد سليمان القانوني في القرن السادس عشر ونجد من أهم ما تركته المنمنمات التي رافقت كتاب زبدة التواريخ لمؤلفها سيد لقمان عاشوري وهذا الكتاب يطنب في التّأريخِ العالميِ السّياسيِ متضمنا اساطير تّوراتيةِ ومرفقا بقصص الأنبياءِ وأحداث الماضيِ،وردت من مصادر متفرقة ،يسهب خلالها بالتّأريخ التّركي خاصة حتى ورود السّلطانِ مراد الثالث، بعد حقبة السلاطين العُثمانيين الإثنا عشرَ الأوائل ِ. وقد كرست للحديث عن مناقب السلطان مراد الثالث ،وكتبت عام 1583 وأحتوى الكتاب على أربعين رسما ،موجودة اليوم في متحف الفنون الإسلامية في أسطنبول. ثم حدث ان أنقلبت هذه المدرسة متأثرة بفناني عصر النهضة الإيطالي ،من الذين أغرتهم عطايا السلاطين ،كما في صور السلطان محمد الفاتح للمصور جنتيلي بلليني عام 1480م. وشملت كذلك بعض نتاجات الفنانين الأتراك ، وتطورت متاثرة بفنون الرسم الاوربية. وأختفت لاحقا ،ولم تستمر تباعا.

9. المدرسة المغولية الهندية :وعاصرت صعود نجم المغول في الهند. وسبق للهند أن عرفت المنمنمات والرسم على الورق بدلا من أوراق سعف النخيل مع ورود الإسلام الى تلك البلاد ،وخاصة منذ القرن العاشر الميلادي. وتطور هذا الفن تصاعديا حتى ورده الدفق الكبير خلال ورود المغول عام 1523 على يد بابر،حاملا معه كثير من فنون آسيا الوسطى. وقد اهتم الهنود خلال تلك الفترة بتصوير المتصوفين والنساك الهنود وهم يحاورون الملوك وخاصة القوم. وقد استمد جذوره من الشرق،ولاسيما من هيرات وآسيا الوسطى نظرا لإنحدار بابر أول سلاطينهم من تلك الأصقاع ،وبقي حنينا الى فنونها ،كما يرد في كتابه (بابر نامه) التي شرح به موقفه من العمارة والفنون. ومن أجمل آثارهم المخطوطة التي تصور قصة حمزة عم النبي (ص)،بشكل مبالغ فيه عن القصة الحقيقية وأقترنت ببعض الاساطير الشرقية. وتقع تلك في مخطوطة احتوت على 1400 صورة واستغرق رسمها حوالى 20 سنة، (1556 -1575 م) ، وقام برسم معظم لوحاتها اثنان من كبار الفنانين الهنود هما "سيد علي " و"عبد الصمد". وهنا لا بد من ذكر أن فن التصوير الهندي الإسلامي بالمحصلة كان متأثرا بفن مدرسة بغداد، مسترسلة حتى مدرسة بهزاد.وفي العهود المتأخرة تأثرت ببعض الإستعارات الأوروبية المستمدة من صور النهضة التي جلبها البرتغاليون وبعدهم الهولنديون والانكليز .وقد اثرت تباعا في فنون أوربا ولاسيما من خلال التجارة،ونجد آثارها في لوحات الهولندي رمبرانت (1606-1669)،الذي استوحى منها بعض موضوعاته ، و أتصف وحده دون سائر المصورين الذي طرقوا مواضيع إستشراقية ، بميزة الإحساس الدفين بتوقير الشرق وإجلاله. ولقد مهدت أسباب سياسية واقتصادية لأوربا أن تقع على التصاوير المغولية بالهند، و تنال إعجابها. وكان رمبرانت أول من أعجب بهذا الفن، و إذا هو يقتني بعض تلك المنمنمات، ثم أخذ ينقلها بيده ما بين عامي 1654 و 1656، وتحتفظ المتاحف الآن بعشرين منها، هذا إلى أنه ضمّن بعض عناصرها لوحاته بعد أن مزجها بأسلوبه. ورسم رمبرانت المنمنمات مضيفا من عنده تقنة الإشراق والعتمة "كياروسكورو" التي أثرت عنه والتي خلت منها الأصول المغولية، فإذا الشخصيات فيها وكأنها في أصولها. وأستمرت المدرسة الهندية ولكنها بترنح مكنها من الإحتفاظ ببعض ملامحها الاصلية حتى يومنا هذا، على عكس بقية المدارس التي درست مع تقادم الزمن.

10. المدرسة الأندلسية.وهي متفردة عن المغرب العربي الذي لم تنشا به مدارس منمنمات تركت أثرا معينا. و تواكبت هذه مع تطورها في المشرق الإسلامي وقد أثرت تباعا في فنون المنمنمات الأوربية وبقيت آثارها حتى بعد سقوط الأندلس ،وحلول فنون "المستعربين". وكانت قد تأسست في شمال الأندلس بدير من الأديرة مدرسة للنساخ يتعلمون فيها الخط والرسم و التوريق. وكان لهذه المدرسة تأثير بليغ في الحركة الفنية في أسبانيا ،ومنها مخطوطة لـ (بياتوس Beatus) في سفر الرؤيا ( Apacalypse) . وقد أخذت مدرسة أشبيلية عن فن المنمنمات الشئ الكثير وموهته بالألوان القاتمة والأساليب المحلية. وفي مقدمة المصورين يأتي (موريليو) و(بنشيقو) و(زباران) ونبغوا في القرن السابع عشر . ولم تستمر هذه المدرسة بعد سقوط الأندلس،ولكنها أثرت في فناني أوربا.

المنمنمات في الحداثة

شهدت القرون العجاف الأخيرة التي مرت على العالم الإسلامي،اضمحلال الظواهر الإبداعية وأهمها الفنية بعد ان جفت ينابيعها .وخلال السعي في إعادة الروح لفن المنمنمات ، فقد نحتاج الى عبقرية فذة وجهد جبار ومعجزة وصل الخيوط المتقطعة بسبب التقادم الزمني والهبوط الحضاري . وانبرى لتلك المهمة في الثلاثينات من القرن العشرين الفنان الجزائري محمد راسم وفي الأربعينات الفنان العراقي جواد سليم الذي رام منه أن يصور حياتنا المعاصرة بنفس الأساليب التي أتبعها رسامي المنمنمات .

سبق محمد راسم (1896-1974م) الجميع الى إعادة اكتشاف فن المنمنمات ،وكان قد اهتدى إلى المنحى الفني من خلال جذوره العائلية ، ولاسيما أبيه وعمه وأخيه الأكبر "الذي اشتهر بتزيين الكتب الأدبية التقليدية في الجزائر". وأنتبه لموهبته المستعمرين الفرنسيين بما يتمتع من رهافة الحس التصويري والتعبيري. و طلبت منه شركة بيازا الفرنسية للطبع والنشر معالجة الجانب الفني لكتاب حياة الرسول محمد (ص) الذي زينه الفنان الفرنسي أتيان ديني ،الذي أصبح بعد إسلامه (نصر الدين ديني). توجه محمد راسم بعدها إلى باريس ليعمل في قسم المخطوطات في المكتبة الوطنية، وحصل على منحة للدراسة في إسبانيا مكنته من الإطلاع على المخطوطات والآثار الإسلامية ،ثم توجه إلى لندن حيث سمح له بالاطلاع بين الأعوام 1924 و1932 على أشهر المخطوطات الإيرانية بإشراف الأستاذ سير ذنيزن. ثم انتخب لإنجاز صور كتاب ألف ليلة وليلة ، لحساب دار مارون روس، وأنجز في هذا العمل الفني الضخم عصارة موهبته. ثم تبعها في كتاب "خضراء" لديني "وكتاب حديقة الورود" و"السلطنة" لروز دوفال برثنيان وغيرها. عين عام 1932 أستاذا للفنون في الجزائر التي تأسست عام 1920 لتكون فرع لمدارس (البوزار) "الفنون الجميلة" الفرنسية ،وأصبح لأول مرة يدرس فن المنمنمات بأسلوبه للطلبة الجزائريين، ومنذ ذلك الحين لمع نجمه كرائد لإحياء هذا الفن وباتت أعماله تعرض في متاحف عواصم الدنيا الكبرى، وفي عام 1955 انتخب عضوا فخريا في الشركة الفنية الملكية في إنجلترا.وقد سار على خطاه بعد ذلك كل من محمد تمام ومحمد غانم اللذان انتقلا الى طرق مواضيع أكثر واقعية .

بقي محمد راسم في مجمل منمنماته محافظا على الطابع التزييني الذي تكتنفه حالة من الشاعرية تبرز من خلالها عناصر الطبيعة. ثم أنصب اهتمامه بالزخرفة والرقش في الملابس و إظهار العناصر المعمارية كالقباب والعقود والبوائك ،وكذلك في المعالجات الفنية كأعمال الفسيفساء والخطوط الحروفية والزخارف النباتية و الهندسية وتتميز تلك الرسومات بالألوان الحادة والمتنوعة والخطوط الرشيقة ذات الزخم الفني التجسيدي والرمزي. وبتصويرة للشخوص .

وقداهتم راسم أيضا بنقل إيقاعات الحياة الشرقية المحلية بما يتعلق بالسحن والحركات ولاسيما لنساء ناهدات وممتلئات الأرداف وذوات الوجه المستدير والعيون اللوزية الكحلاء الناطقة، والفم المكتنز والشعر المزين بالزينة والمخضب بالحناء. أما الموضوعات التي عالجها فقد بقيت في إطار التقاليد الموروثة في منمنمات المدارس الإسلامية،وعكس واقع الحياة الجزائرية كحفلات الرقص والغناء والأعراس والأسواق الشعبية والأعياد. وبذلك بقى وفيا لمنهج فن المنمنمات التقليدي.

و تمحورت إضافات راسم في المهارات التشكيلية العامة لبناء اللوحة. وأهمها إدخال البعد الثالث المنظوري التي وردت من أوربا النهضة كما أسلفنا. حيث أن المنمنمة الإسلامية تعتمد مبدأ التسطيح في بناء الحدث، من أعلى إلى أسفل أو بالعكس أو من يمين الصورة إلى يسارها وبالعكس وأحيانا بتراكب رمزي على شكل حلزوني كما فسر ذلك بعض منظري الجمال الأوربيين مثل الفرنسي ذو الأصل اليوناني(بابادوبولوس). وأستثمر بحذاقة نظرية الانعكاس اللوني والتدرجات اللونية ونظم نسب حجم الأجسام والأشخاص مع عناصر العمارة الداخلية والطبيعية، بحيث بدت في علاقة متوازنة، متناغمة، متناسقة. وقد حرر الألوان من حدود الخطأ حتى في تصويره للعبة الأرابسك التي أجادها بالألوان وبمسحات عفوية، تلقائية لا تعرف القيود والحواجز.

وكان فنان المنمنمات يعمل إما بحبر أسود أو أحمر وبعد أن يجف يملأ الساحة ما بين الخطوط بألوان كثيفة ولزجة ينتظرها حتى تجف ليزين إطارها بالزخارف والتطريز المذهب. أما محمد راسم فيبدو أنه استفاد من تجربة وجوده في أوربا حيث تعلم أصول النظريات اللونية وقواعد المنظور في بناء وتكوين اللوحة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن محمد راسم لم يكن الأول بين فناني المنمنمات الإسلامية في توجهه نحو استعمال التقنيات التشكيلية الحديثة المرتبطة بتطور العلوم، بل هو امتداد لما بدأه فنانو البلاط الإيراني والتركي الذين أدخلوا علم المنظور في بناء المنمنمة منذ القرن السابع عشر، لكن ما بدأه الفنانون آنذاك بقي في دائرة التقليد و لم ينقل المنمنمة الإسلامية إلى حالة من الابتكار والتطوير.

ونجد مثلا منمنمة لحفل تقليدي امرأتان ترقصان عند الشلالات تحيطها معالم معمارية لدار من بيوت قصبة مدينة الجزائر،حيث آثر فيها التناظر في المعالجة والبهرج والإبهار في التمثيل الفني. وترك شعورا بقرب المسافة بين الزمان والمكان،و موحيا ضمنا بحالة الغموض المكتنفة لحياة الشرق السحري المقتصر على أجواء الحرملك (جناح النساء في البيوت)،و ينكشف ذلك من نافذة مفتوحة على الزمان تحمل في طياتها صورة الحاضر و نفحات التراث.

و بعد عقد من الزمان أتى الفنان العراقي جواد سليم ليتخذ نفس المسار من ضمن مسارات فنية متعددة أختطتها موهبته الفذة .وكان جواد سليم قد ولد في أنقرة بتركيا من والدين عراقيين عام 1920 .وسافر الى باريس ليدرس في مدرسة الفنون الجميلة (البوزار) عامي 1938-1939 ،وأطلع فيها أول مرة على مخطوطة الواسطي ، ثم في روما عامي 1939-1940 ثم في لندن 1946-1949 .عاد بعدها إلى بغداد وعمل أستاذا للنحت في معهد الفنون الجميلة حتى وفاته عام 1961 .أسس مع مجموعة من الفنانين العراقيين جماعة بغداد للفن الحديث ثم مدرسة بغداد للفن الحديث ونشط في التنظير الجمالي والمتابعة بحيث أصبح العضو المؤسس لجمعية الفنانين العراقيين. وعمل بنهم وأنتج ثروة فنية خلال حقبة الخمسينات التي شهدت سطوة الأفكار الوطنية والتحررية . وقد ترك بعد رحيلة المبكر عطاء فني أهمه وأكثره نضوجا ودفقا هو نصب الحرية الواقف شامخا في وسط مدينة بغداد حتى اليوم والذي يمكن تلمس خطوط المنمنمات من بين ثنايا شخوصه .

لقد حاول جواد سليم أن يمد جسورا قطعت ودرست بنيتها بين ماضي المنمنمات وحاضر الفن الذي يبشر بميلاد جديد.وقد حداه ذلك إلى رسم ملامح خطة عمل لربط الخيوط المتقطعة من خلال المعايشة للحياة البغدادية مع إطلاع وحذق بالمدارس الفنية الأوربية التي توصل من خلال معايشتها بأنها متخبطة ومتبدلة وبذلك فهي ليست المنبع الوحيد والميزان الجمالي المثالي الملهم لدواخل الفنان.وأن الفنون القديمة الدارسة في العالم الإسلامي فيها من الروح والدفق ما يجعلها مصدر إلهام لا ينضب.ويقول بهذا الصدد عام 1953 : (لابد من الوصول الى الطابع المحلي وليس هذا أمر هين، ولا أقصد بالطابع المحلي رسم أعرابي أو مئذنة عراقية مثلا، بل هو المميزات الخاصة التي يثيرها في الفنان فتكسوه روح أعماله). وقد جسد ذلك المفهوم في مجموعة من اللوحات اسماها (البغداديات) والتي طرقت بحذق ثلاثة مواضيع:

* لوحات متحركة فيها روح الحياة العراقية وتمثيل منمنم للوجوه والملابس بأسلوب (الأهلة) المبثوثة بنسب وترابط وإنسجام في جنبات اللوحة. ومن أشهر تلك المجموعة (الشيخ والراقصة) و(ليلة المحيا) و(موسيقى في الشارع) و(بائع الشربت) و(طفلان يأكلان الرقي) و(عروسان في بغداد) و(في محفل الخليفة) و(القيلولة)و(الخياطة) و(فتاة وطير) و(حصان وصاحبه) و(عاشق الطيور) و(شاي العصر) و(صندوق الزفاف).

* لوحات ثابتة تمثل عناصر عراقية شعبية جامدة مثل أصص الورد ودلة القهوة و إبريق الشاي والكؤوس والأواني والصناديق والسجاجيد والمشروبات وبعض وجوه الفتيات ذوات العيون اللوزية وقد أضفى عليها روح المنمنمة الموروثة من خلال طرز الخط العربي على خلفياتها.

* معايدات تمثل الأطفال و العابهم وحيوانات أليفة كالحصان والثور والكبش ،وقد أرفق معها أشكال هندسية وخطوط تجريدية ذات ألوان براقة.

وعلى خلاف المسار التقليدي الذي خطه راسم فأن سليم سار بمنهجا متحررا من النمطية التراثية، وكان يمكن أن يفتح ذلك أفقا واسعا وفضاءا رحبا لحالة المنمنمات الإبداعية. ونلمس ذلك من خلال إضفاءه لروحية نقدية وفكرية، طبقية معينة أو رفضه لممارسات اجتماعية بعينها. فمثلا كانت المنمنمات التراثية تظهر أصحاب الحيثيات أو الحكام في مكان مرموق ومحوري في اللوحة ،وتحيط رؤوسهم هالات وهم يجلسون على أرائك عالية أو يحاطون بعقود وبوائك معمارية ،ويرسمون بمقياس اكبر من الحاشية والندماء الممثلين باللوحة بمنزلة ليس ذي أهمية.ونجد بهذا السياق أن جواد سليم أراد نقد ذلك من خلال تصويره بشكل ساخر للخليفة المنتفخ الكرش . وأحتل مكانا مهملا و موقعا هامشيا من اللوحة. وعلى العكس أعطى المنزلة المحورية لعازف العود الذي أحاطه ببائكة بنائية يحاكي بها ما ورد في منزلة قاضي صعدة في المقامة 37 من مقامات الهمداني للواسطي.

وقد نحى جواد سليم منحى زاهد في تصويره لواقع الحياة من ملبس وعمارة ومعالجة فنية ،على عكس الرخاء والعافية التي ترفل بها صور محمد راسم. وأتفق راسم وسليم في إظهار جمال المرأة من خلال الوجوه المدورة والعيون اللوزية والشعر المنسدل وملابس تتدفق من تحتها المفاتن. وكان جواد يروم أكثر في إظهارهن بمظهر وبأخلاقية متحررة مبتعدا نسبيا عن بعض التقاليد الموروثة على عكس راسم الذي كان محافظا ومتحسسا لنبض التقاليد والأعراف الاجتماعية.

وأتفق سليم و راسم على دمج ظرفي الزمان والمكان عندما رمزا من خلال نافذة تظهر من خلالها هذا التواصل بين قرون الرفاهية والبهرج الوارد من التراث وقصصه بالمقارنة مع الفقر والكآبة البادية على شخوصه المعاصرين. أما من الناحية الشكلية والتراتبية فان جواد سليم أستعمل الأهلة والأشكال الدائرية ونصف الدائرية كعنصر إنشائي أساسي ممثلا في الوجوه والدف والعود وكرش الخليفة والأكف وحركات الأطراف.وقد تلافى سليم هذه الرتابة من خلال إرداف بعض الأشكال المستطيلة والشريطية المبثوثة هنا وهناك في فراغات اللوحة بما يخلق حالة من التوازن و الانسجام.

وعلى عكس راسم فقد اتبع سليم الأسلوب الإختزالي في معالجة اللوحة، ولم يكن محبا لإكتضاض الشخوص كما في المنمنمات التراثية ،ونجدها صريحة في لوحات (بائع الشتول) و(فتاة وطير) و(موسيقى في الشارع) ،و اكتفى بملئ الفراغات بألوان هادئة لم تبخل في إعطاء اللوحة تجانسا يتدفق بالحركة وتماسكا في بنية الموضوع المراد إظهاره.

واليوم وبعد أفول وقع هذان الفنانان ،خلت الساحة العربية ممن يأخذ العهد في بعث هذا الفن الجميل والأخذ بيده، وجعله إحدى سمات النهضة الفنية ذات الخصوصية الفنية المحلية. ويمكن اعتبار تجربتا محمد راسم وجواد سليم شذوذا يرسم ملامح القاعدة الواجب تعميمها محاكيان بذلك تجربة المعمار المصري حسن فتحي (1900-1989) الذي ضاق ذرعا بالتهميش الذي خط حوله،ولكن ذلك لم يمنع من تصاعد صوت التأييد له الذي يشهد على مشرب معماري يقتفي أثره وينعش سيرته. وبالرغم من ذلك نجد مناح في الفن العربي الحديث تسير بقرب أو تطابق مع فن المنمنمات ونجد فنانون من عدة دول عربية مثل سعيد تحسين ونعيم إسماعيل من سوريه وسعاد العطار من العراق وهنري زغيب من لبنان وإبراهيم الصلحي من السودان وجاذبية سري من مصر وجلال بن عبدالله والزبير التركي من تونس ومحمد بن علال من المغرب. وعسى أن لا يطيل انتظارنا لبشير الوليد الجديد الباعث لعهد مسترسل في فن المنمنمات الإسلميّة [size=3]
[/size]
رد | اقتباس


      المواضيع الكاتب التاريخ
    thread link
المنمنمة
الادارة 2007/09/20 20:53
::كتابة موضوع جديد::
spacer

spacer
© 2014 Arts plastiques
المعهدالوطني للمكتبيّة والاعلاميّة